النرجسية المحمودة: هل الاعتزاز بالنفس نرجسية؟

في يوم الاثنين 20 أكتوبر 2025، دُعيت من قِبل الشريك الأدبي، بالتعاون مع مقهى أنتيك في مكة المكرمة، لحضور حفل تكريم نظير ما قدمته خلال الموسم الرابع، بالتزامن مع إطلاق الموسم الخامس من برنامج الشريك الأدبي.
بعد التكريم وإلقاء كلمتي وسماع الإطراءات من الحضور، شعرت بفرحة عارمة. لم تكن الفرحة بالدرع وحده، بل بما مثّله لي ذلك اليوم من مسافة قطعتها بين شخص كنت أعرفه قبل سنوات، وشخص أقف أمامه اليوم.
وفي طريق عودتي إلى المنزل، بدأت «أهوجس» كما نقول؛ أسترجع ما كنت عليه قبل خمس سنوات، وما أصبحت عليه اليوم، وما مررت به بينهما من صعود وهبوط ومحاولات وانكسارات.
وعندما وصلت إلى المنزل، وضعت درع التكريم أمامي وتأملته طويلًا. شعرت بشيء يشبه النرجسية، لكن ليس بالصورة التي نعرفها عن التعالي على الآخرين أو الشعور بأنني أفضل منهم. كان شعورًا مختلفًا؛ اعتزازًا بالنفس وبالمسافة التي قطعتها وبالإنسان الذي استطاع أن ينهض بعد كل ما مر به.
كانت نرجسية لذيذة المذاق لم أتذوق حلاوتها من قبل.
وفي تلك اللحظة أسميتها: «النرجسية المحمودة».
ولا أقصد بهذا المصطلح تشخيصًا نفسيًا أو نوعًا علميًا من النرجسية، وإنما وصف شخصي للحظة يصالح فيها الإنسان نفسه، ويعترف بإنجازاته دون أن يحتاج إلى التقليل من الآخرين.
ومن تلك اللحظة كتبت هذه القصة القصيرة عن «هتان»؛ الإنسان الذي عصفت به الدنيا يمنة ويسرة، بين شد وجذب، وصعود وهبوط، لكنه ظل يحاول الوصول... وما زال الطريق أمامه.

النرجسية المحمودة والفرق بين الاعتزاز بالنفس والنرجسية

ما المقصود بالنرجسية المحمودة؟

حين أقول «النرجسية المحمودة» فأنا لا أتحدث عن النرجسية بمعناها النفسي أو عن تضخيم الذات والشعور بالتفوق على الآخرين، وإنما أستخدم العبارة لوصف حالة من الاعتزاز الصحي بالنفس.
أن تنظر أحيانًا إلى ما قطعته من طريق وتقول لنفسك: لقد فعلت شيئًا يستحق أن أفتخر به.
هناك فرق بين أن تعرف قيمة نفسك، وبين أن تعتقد أنك أعلى قيمة من الآخرين. وفرق بين أن تفرح بإنجازك، وبين أن تحتاج إلى التقليل من إنجازات الناس حتى تشعر بأهمية إنجازك.
ربما تبدأ المشكلة عندما يتحول تقدير الذات إلى استعلاء، والثقة إلى شعور دائم بالتفوق، والاعتزاز بالإنجاز إلى حاجة مستمرة للإعجاب. أما أن يقف الإنسان للحظة أمام ما حققه بعد سنوات من التعب ويشعر بالفخر، فلا أراه شيئًا ينبغي أن يخجل منه.
وأنا أسمي تلك اللحظة: النرجسية المحمودة.

في مكانٍ ما بين ضجيج المدن وصمت الفكرة، يمشي رجلٌ يعرف أن كل خطوة هي محاولة لتذكّر نفسه. لم يأتِ إلى هذا العالم ليُفسِّره، بل ليُصلحه قليلًا، وليعيد ترتيب فوضاه كما يرتب المهندس أعمدة البناء، وكما يعيد الكاتب صياغة جملة حتى تصبح صادقة بما يكفي.
يعمل هتان بعينٍ يقظة، كمن يعرف أن النظام ليس نقيض الجمال، بل وجهه الخفي.
وفي أعماقه يعيش شاعرٌ يدرك أن كل جرحٍ في الوجود قد يكون نافذة نحو النور، لا سيفًا مسلطًا على الروح. هو ابن الواقعية، لكنه لا يسكن فيها. يميل إلى الواقع كما يميل المؤمن أمام المجهول؛ باحترامٍ لا بخضوع.
يمسك بخيوط الحياة اليومية؛ الصباحات المتكررة، والمشاريع، والأرقام، والتقارير، والاجتماعات، ثم ينسج منها فكرة أكبر:
أن الإنسان لا يُقاس بما ينجزه، بل بما يُبقيه حيًّا رغم كل ما ينجزه.
أحيانًا يحدق في الفراغ، ليس هروبًا، بل لأن الفراغ يذكّره أن الوجود نفسه سؤال.
يسأل بصمت:
هل خلقني الله للحياة لأفهمها، أم لأمنحها معنى؟
وحين لا يجد جوابًا، يبتسم...
فهو يعرف أن بعض الحقائق لا تُقال، بل تُعاش.
هتان هو ذلك الجسر بين الطين والضوء، يمشي عليه الوعي مترددًا؛ يخاف أن يسقط في المادة، ويخاف أكثر أن يضيع في الميتافيزيقا.
لذلك يختار البقاء في المنتصف، حيث يمكن للعقل أن يفكر، وللقلب أن يشعر، وللإنسان أن يكون إنسانًا فقط... بلا تعريفات ولا أقنعة.
وفي نهاية كل مساء، حين يهدأ كل شيء، يكتب لا ليُقال إنه كتب، بل ليبقى شيء منه حيًّا في النص، كما تبقى النار تحت الرماد.
وحين يسكت، لا يكون الصمت خواءً، بل لحظة مصالحة بين من هو، ومن كان يحاول أن يكون.

وصية إلى نفسي

يا هتان، إذا ضاقت بك الدروب، فتذكّر أنك لم تُخلق لتسلك طريقًا ممهدًا، بل لتشق طريقك بوعيك وإيمانك وسعيك.
لا تبحث عن جميع الإجابات في وضح النهار؛ فبعض الحقائق العميقة لا تكشفها لنا إلا عتمة الأسئلة، وبعض المعاني لا نفهمها إلا بعد أن نعبر التجربة كاملة.
ولا تجعل يقينك بما وصلت إليه يمنعك من مراجعة نفسك؛ دع الأسئلة تهذبك كما يهذب الموج الصخر، وينحته مع الزمن حتى تتغير ملامحه دون أن يفقد صلابته.
احمل نفسك كما يحمل المسافر شعلةً في الريح؛ لا تطفئها باليأس، ولا ترفعها للتباهي، بل اجعلها نورًا يذكّرك بالطريق الذي قطعته، ويضيء شيئًا من الطريق لمن سيأتي بعدك.
وافرح بما وصلت إليه، ولا تخجل من الاعتزاز بنفسك. تذكّر الليالي التي لم يرك فيها أحد، والمحاولات التي لم يصفق لها أحد، والسقطات التي نهضت منها وحدك. ليس غرورًا أن تنظر إلى كل ذلك وتقول: لقد قطعت طريقًا يستحق أن أفتخر به.
لكن لا تجعل هذا الفخر يعميك عما بقي من الطريق، ولا تجعل نجاحك سببًا لترى نفسك فوق الآخرين. احمد الله على ما وصلت إليه، واعرف قيمة نفسك دون أن تنتقص من قيمة أحد.
وإن سألك أحدهم يومًا: من أنت؟
فابتسم وقل:
«أنا إنسان تعلّم أن الوجود ليس وعدًا بالراحة، بل مسؤولية؛ وأن أعيش حاضرًا بكل وعيي، وأن أعرف قيمة نفسي دون أن أتعالى بها على أحد.»

متى يصبح الاعتزاز بالنفس مشكلة؟

الاعتزاز بالنفس لا يعني أن الإنسان كامل، ولا أن نجاحه يجعله أفضل من غيره. وربما يكون أجمل أنواع الفخر ذلك الذي لا يحتاج إلى جمهور؛ أن تعرف بينك وبين نفسك كم مرة سقطت، وكم مرة بدأت من جديد، ثم تسمح لنفسك أخيرًا بأن تفرح بما وصلت إليه.
لا أريد أن أعيش محتقرًا لنفسي حتى أبدو متواضعًا، ولا متعاليًا على الآخرين حتى أشعر بقيمتي.
أريد فقط أن أعرف قيمة ما قطعته من طريق، وأن أحمد الله عليه، ثم أكمل الطريق.
وهذا، بالنسبة لي، هو معنى النرجسية المحمودة.



 

الكاتب هتان المدني
بواسطة : الكاتب هتان المدني
هتان المدني، كاتب ومؤلف سعودي، أكتب في قضايا النفس والعلاقات والحياة والمجتمع، وأشارك تجاربي وتأملاتي بأسلوب يجمع بين الواقع والفكرة. صدر لي كتابا «في سجن عزلتي» و«شبح الطلاق»، وأسعى من خلال «سوالف هتان» إلى تقديم محتوى يترك للقارئ فكرة تستحق التأمل.
تعليقات