الهوس بالإيجابية… كيف أصبح سببًا في تعاستنا؟

الهوس بالإيجابية هو الاعتقاد بأن علينا أن نكون سعداء ومتفائلين طوال الوقت، وأن المشاعر السلبية كالحزن والقلق والإحباط شيء يجب التخلص منه فورًا. لكن الضغط المستمر على أنفسنا لنكون إيجابيين قد يجعلنا أكثر قسوة على ذواتنا، فنشعر بالسوء ثم نلوم أنفسنا لأننا نشعر بالسوء أصلًا.

جاءتني فكرة هذا المقال أثناء قراءتي لكتاب «فن اللامبالاة» لمارك مانسون، وتحديدًا حديثه عن محاولتنا المستمرة للهروب من المشاعر السلبية، وكيف يمكن للسعي المبالغ فيه نحو السعادة أن يتحول إلى مصدر جديد للضغط والتعاسة. وما أطرحه هنا هو قراءتي الشخصية لهذه الفكرة وربطها بما نعيشه اليوم.
المشكلة لا تبدأ عندما نشعر بالحزن أو القلق أو الإحباط، بل عندما نعتقد أن وجود هذه المشاعر في حياتنا دليل على أن هناك شيئًا خاطئًا فينا. فنحن نعيش في زمن يضع السعادة أمام الإنسان وكأنها الحالة الطبيعية التي يجب أن يعيشها طوال الوقت، بينما يُنظر إلى الألم والفشل والقلق وكأنها أعطال يجب إصلاحها فورًا.
لكن الحياة لا تسير بهذه الطريقة. هناك خسارات لن نستطيع منعها، وأيام لن تسير كما خططنا لها، وقرارات سنندم عليها، وأهداف سنفشل في الوصول إليها. والنضج لا يعني أن نصل إلى حياة خالية من هذه الأشياء، بل أن نتعلم كيف نتعامل معها دون أن تتحول كل تجربة مؤلمة إلى معركة جديدة مع أنفسنا.
وربما تكون الراحة الحقيقية في أن نتوقف عن مطالبة الحياة بأن تكون مثالية، وأن نتوقف كذلك عن مطالبة أنفسنا بأن نكون بخير طوال الوقت. فبعض الألم لا يحتاج إلى إنكار، بل إلى فهم وقبول وتجاوز.


الهوس بالإيجابية وتأثيره على السعادة



ما هو الهوس بالإيجابية؟

الهوس بالإيجابية لا يعني مجرد التفاؤل أو النظر إلى الجانب الجيد من الحياة؛ فالتفاؤل في حد ذاته قد يكون شيئًا صحيًا ومفيدًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول الإيجابية إلى شرط نضعه على أنفسنا وعلى الآخرين: يجب أن تكون سعيدًا، يجب أن تفكر بإيجابية، يجب ألا تحزن، ويجب أن تتجاوز مشكلاتك بسرعة.
عندها تتحول الإيجابية من وسيلة تساعدنا على مواجهة الحياة إلى عبء نفسي جديد. فالإنسان الذي يمر بظرف صعب لا يحتاج دائمًا إلى من يقول له: «فكر بإيجابية»، بقدر ما قد يحتاج إلى مساحة يعترف فيها بما يشعر به دون أن يخجل منه.
كما أن ثقافتنا الحديثة تدفعنا باستمرار نحو فكرة «المزيد»: وظيفة أفضل، دخل أكبر، جسد أجمل، سيارة أفخم، منزل أكبر، سفر أكثر، نجاح أكبر. ومع كثرة هذه الرسائل يبدأ الإنسان بمقارنة حياته بما يراه حوله، فيصبح تركيزه منصبًا على الأشياء التي تنقصه بدل الأشياء الموجودة بالفعل في حياته.
والمفارقة أن السعي المستمر نحو الصورة المثالية للحياة قد يجعل الإنسان أقل رضا عن حياته الحقيقية؛ لأنه كلما اقترب من هدف ظهر أمامه هدف آخر، وكلما امتلك شيئًا وجد شيئًا جديدًا يعتقد أنه يحتاج إليه حتى يكون سعيدًا.

لماذا قد تجعلنا الإيجابية المفرطة أكثر تعاسة؟

لأن الإيجابية المفرطة تجعل الإنسان يضع لنفسه معيارًا يصعب تحقيقه: أن يكون سعيدًا وناجحًا ومتحمسًا طوال الوقت. وعندما لا يستطيع الوصول إلى هذه الحالة، يبدأ في مقارنة واقعه بالصورة التي يعتقد أن حياته يجب أن تكون عليها.
هنا تظهر المشكلة؛ فبدل أن نتعامل مع الحزن باعتباره شعورًا طبيعيًا، قد نراه فشلًا. وبدل أن نتعامل مع القلق باعتباره استجابة لظرف معين، قد نبدأ في لوم أنفسنا لأننا قلقون. وهكذا نضيف إلى المشكلة الأصلية مشكلة أخرى صنعناها نحن من خلال رفضنا لمشاعرنا.
كذلك تلعب الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تضخيم هذا الشعور؛ لأنها تعرض أمامنا باستمرار صورًا للحياة المثالية والنجاح والجمال والثراء والسفر والسعادة. ومع تكرار هذه الصور قد يبدأ الإنسان، دون أن يشعر، بقياس جودة حياته بما يملكه الآخرون.
لهذا فالمشكلة ليست في الرغبة في تحسين حياتنا، وإنما في الاعتقاد أن سعادتنا مؤجلة حتى نحصل على الشيء التالي. فهناك فرق كبير بين أن تسعى إلى حياة أفضل، وبين أن تقنع نفسك بأن حياتك الحالية لا تستحق الرضا.

عندما نقلق لأننا قلقون

تحدث مارك مانسون في كتابه فن اللامبالاة عن فكرة لافتة: أن الإنسان قد لا يعاني فقط من مشاعره السلبية، بل من موقفه تجاه هذه المشاعر أيضًا. فقد تشعر بالقلق بسبب مشكلة في حياتك، ثم تبدأ في لوم نفسك لأنك قلق، فتضيف إلى القلق الأول قلقًا جديدًا. وقد تحزن، ثم تنزعج لأنك لم تستطع تجاوز حزنك سريعًا. وهكذا لا تعود المشكلة في الشعور نفسه، بل في اعتقادنا أن وجود هذا الشعور يعني أن هناك شيئًا خاطئًا فينا.
وهذا ما أراه أحد آثار الهوس بالإيجابية في عصرنا؛ أصبحنا نريد أن نكون سعداء وناجحين ومتحمسين طوال الوقت، وكأن الإنسان الطبيعي لا يحق له أن يمر بيوم سيئ أو يشعر بالخوف أو الإحباط. وحين تحدث المشاعر الطبيعية التي لا نريدها، لا نكتفي بمعاناتها، بل نضيف إليها جلد الذات: لماذا أنا هكذا؟ لماذا لا أكون سعيدًا؟ لماذا لا أستطيع التفكير بإيجابية؟
وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الأمر أكثر تعقيدًا. افتح هاتفك وستجد شخصًا يسافر، وآخر يحتفل بإنجاز، وثالثًا يعرض جسده المثالي، ورابعًا يخبرك كيف غيّر حياته وأصبح أكثر نجاحًا وسعادة. المشكلة أننا نقارن حياتنا كاملة، بما فيها إخفاقاتنا ومخاوفنا وأيامنا العادية، بـلقطات مختارة من حياة الآخرين. ثم نستغرب لماذا نشعر بأننا متأخرون عن الجميع.
ولا تتوقف الرسائل عند وسائل التواصل؛ الإعلانات وصناعة تطوير الذات وبعض المحتوى التحفيزي تكرر علينا بطريقة أو بأخرى أن هناك دائمًا نسخة أفضل يجب أن نصبح عليها: جسد أفضل، دخل أكبر، منزل أجمل، إنتاجية أعلى، عقلية أكثر إيجابية. وفي خضم هذا السباق قد يتحول تحسين الذات من شيء يساعد الإنسان إلى رسالة خفية تقول له باستمرار: أنت بصورتك الحالية لست كافيًا.
ربما لهذا السبب لا يكون الحل في مطاردة السعادة طوال الوقت، بل في إعادة تعريف علاقتنا بالمشاعر التي لا نحبها. أن تقول لنفسك: نعم، أنا قلق اليوم، وهذا لا يعني أن حياتي انهارت. أنا حزين، لكن الحزن ليس هويتي. فشلت في أمر ما، لكن الفشل لا يجعلني إنسانًا فاشلًا.
تقبّل المشاعر السلبية لا يعني الاستسلام لها أو تمجيد المعاناة، وإنما الاعتراف بأنها جزء طبيعي من الحياة. فالإنسان لا يحتاج أن يكون سعيدًا أربعًا وعشرين ساعة حتى تكون حياته جيدة، كما أن المرور بفترة صعبة لا يعني أن حياته سيئة.
وربما المفارقة هنا أن الإنسان عندما يتوقف عن إجبار نفسه على الشعور بالسعادة، يمنح نفسه مساحة أكبر ليعيشها فعلًا. فبعض الألم لا يحتاج إلى مقاومة مستمرة، وبعض القلق لا يحتاج إلى قلق آخر فوقه، وبعض الأيام السيئة تحتاج فقط أن نعترف بأنها أيام سيئة… وستمر.

هل تقبّل المشاعر السلبية يجعلنا أكثر سعادة؟

تقبّل المشاعر السلبية لا يعني أن نحب الحزن أو نستسلم للقلق والإحباط، وإنما يعني أن نعترف بأن هذه المشاعر جزء من التجربة الإنسانية. فمن الطبيعي أن تمر علينا أيام نشعر فيها بالحماس، وأيام أخرى نفقد فيها الرغبة في فعل أي شيء، ولا يعني ذلك بالضرورة أن حياتنا تسير في الاتجاه الخطأ.
المشكلة تبدأ عندما نحاول مطاردة السعادة باعتبارها هدفًا دائمًا. فالإنسان الذي يراقب نفسه طوال الوقت ويسأل: «هل أنا سعيد الآن؟» قد يصبح أكثر انتباهًا لكل لحظة لا يشعر فيها بالسعادة، فيتحول بحثه عنها إلى مصدر جديد للضغط.
وربما تكون السعادة أقرب إلينا عندما نتوقف عن التعامل معها كواجب يومي. أن نسمح لأنفسنا بأن نحزن عندما يكون للحزن سبب، وأن نقلق عندما نواجه المجهول، وأن نشعر بالإحباط عندما نفشل، ثم نحاول بعد ذلك أن نفهم ما حدث ونواصل حياتنا.
الحياة الجيدة ليست الحياة التي تخلو من المشاعر السلبية، بل الحياة التي لا تسمح لهذه المشاعر بأن تبتلع كل ما عداها.
لذلك أعتقد أن المشكلة لم تكن يومًا في الإيجابية نفسها، وإنما في الهوس بها. التفاؤل جميل عندما يمنحك القوة للاستمرار، لكنه يصبح عبئًا عندما يجبرك على إنكار واقعك ومشاعرك.
لا تحتاج أن تقنع نفسك بأن كل شيء رائع عندما لا يكون كذلك. أحيانًا يكفي أن تقول: الأمور ليست جيدة الآن، لكنني سأتعامل معها كما هي.
وربما يكون هذا أكثر صدقًا وراحة من ألف عبارة تخبرك بأن عليك أن تكون سعيدًا طوال الوقت.

الكاتب هتان المدني
بواسطة : الكاتب هتان المدني
هتان المدني، كاتب ومؤلف سعودي، أكتب في قضايا النفس والعلاقات والحياة والمجتمع، وأشارك تجاربي وتأملاتي بأسلوب يجمع بين الواقع والفكرة. صدر لي كتابا «في سجن عزلتي» و«شبح الطلاق»، وأسعى من خلال «سوالف هتان» إلى تقديم محتوى يترك للقارئ فكرة تستحق التأمل.
تعليقات