ضع نفسك في ورطة

هل تريد أن تصبح صاحب خبرة؟ ضع نفسك في ورطة.
نعم، قرأتها بشكل صحيح.
لكنني لا أقصد أن تتخذ قرارًا متهورًا، أو تقامر بمالك، أو تدخل في مشكلة تستطيع تجنبها. المقصود أن تضع نفسك عمدًا في موقف يتجاوز خبرتك الحالية قليلًا؛ موقف يجبرك على التعلم والبحث واتخاذ القرار وتحمل النتيجة.
كثير منا يسأل: كيف أصبح ناجحًا؟ وكيف يمتلك بعض الأشخاص كل هذه الخبرة؟ وكيف أستطيع أن أصبح أكثر خبرة في الحياة والعمل؟
جزء كبير من الإجابة يكمن في التجربة. فهناك أشياء تستطيع أن تقرأ عنها سنوات، لكنك لن تفهمها حقًا حتى تعيشها بنفسك.
عندما تقرأ سير الناجحين ستجد أن خبراتهم لم تتكون من النجاحات وحدها، بل من المحاولات والأخطاء والقرارات الصعبة والمواقف التي اضطروا فيها إلى إيجاد حلول لمشكلات لم يكونوا مستعدين لها بالكامل.
هذه هي «الورطة» التي أقصدها: أن تدخل تجربة محسوبة تجبرك على أن تصبح أفضل مما كنت عليه قبلها.


ضع نفسك في ورطة – كيف تساعد التجارب والمخاطرة المحسوبة على اكتساب الخبرة والخروج من منطقة الراحة


كيف تضع نفسك في ورطة محسوبة؟

نحن نكتسب جزءًا كبيرًا من خبراتنا عن طريق التجربة. تستطيع أن تقرأ عن السباحة، لكن القراءة وحدها لن تجعلك سباحًا. وتستطيع دراسة التجارة والتسويق والإدارة، لكنك ستكتشف عند الممارسة تفاصيل لم تخبرك بها الكتب.
وهنا تأتي فكرة «الورطة».
إذا أردت أن تصبح تاجرًا، فلا يكفي أن تقرأ عن التجارة سنوات؛ ابدأ مشروعًا صغيرًا بميزانية تستطيع تحمل خسارتها. وإذا أردت أن تصبح كاتبًا، فلا تنتظر حتى تصبح كتاباتك مثالية؛ انشر ودع القراء يختبرون أفكارك. وإذا أردت اكتساب الخبرة في الإدارة، فتحمل مسؤولية مشروع أصعب قليلًا مما اعتدت عليه.
وقد تنجح من المحاولة الأولى، وقد تخفق، لكنك في الحالتين ستخرج بمعرفة لم تكن تستطيع الحصول عليها من المشاهدة وحدها.
المشكلة أن كثيرًا من الناس ينتظرون حتى يشعروا بأنهم مستعدون بنسبة 100% قبل الإقدام على التجربة، وقد تمر السنوات وهم ما زالوا يستعدون.
والحقيقة أن بعض أنواع الاستعداد لا تأتي قبل التجربة، بل تتكون أثناءها. 

ما الفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور؟

عندما أقول «ضع نفسك في ورطة» فأنا لا أدعوك إلى التهور، وهناك فرق كبير بين المخاطرة المحسوبة وبين اتخاذ قرار قد يهدم حياتك.
التهور أن تدخل تجربة لا تعرف حجم خسارتها ولا تستطيع تحمل نتائجها. أما المخاطرة المحسوبة فهي أن تدرس الخطوة، وتعرف ما الذي قد تخسره، ثم تتأكد أن أسوأ نتيجة محتملة تقع ضمن حدود قدرتك على التحمل.
تريد تجربة التجارة؟ لا تضع جميع مدخراتك في مشروعك الأول، بل ابدأ بمبلغ تستطيع تحمل خسارته.
تريد تغيير مجالك المهني؟ لا تترك مصدر دخلك فجأة دون خطة، بل تعلم وجرّب وابنِ خبرتك قبل الانتقال.
تريد تحمل مسؤولية أكبر؟ اقبل تحديًا يتجاوز قدراتك الحالية قليلًا، وليس تحديًا لا تملك أي أدوات للتعامل معه.
الهدف من الورطة أن تجبرك على النمو، لا أن تدمرك.
وكلما كانت المخاطرة مدروسة، استطعت أن تحصل على قيمة التجربة مع تقليل حجم الثمن الذي قد تدفعه.

التجربة وحدها لا تصنع الخبرة

ليس كل من جرّب أصبح خبيرًا، وليس مرور السنوات وحده دليلًا على الخبرة.
قد يكرر شخص الخطأ نفسه عشر سنوات، ثم يقول إن لديه عشر سنوات من الخبرة، بينما هو في الحقيقة كرر السنة الأولى عشر مرات.
الخبرة الحقيقية تبدأ عندما تمر بالتجربة ثم تتوقف لتراجعها:
ماذا حدث؟ أين أخطأت؟ ماذا نجح؟ لماذا نجح؟ وما الذي سأفعله بطريقة مختلفة في المرة القادمة؟
لهذا أرى أن تسجيل الملاحظات والنتائج والأخطاء بعد كل تجربة من أفضل الطرق لتحويل المواقف التي نعيشها إلى معرفة نستطيع استخدامها مستقبلًا.
ويمكن اختصار الأمر في معادلة بسيطة:
التجربة + المراجعة + التعديل = خبرة.
أما التجربة التي لا نتعلم منها فقد تتحول إلى مجرد خطأ نكرره بصورة مختلفة.

لماذا تمنعنا منطقة الراحة من اكتساب الخبرة؟

منطقة الراحة ليست سيئة في ذاتها؛ فالإنسان يحتاج إلى الاستقرار، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الراحة إلى خوف دائم من التجربة.
قد ترفض فرصة لأنك تخشى الفشل، أو تؤجل مشروعًا لأنك لا تعرف كل تفاصيله، أو تمتنع عن تحمل مسؤولية جديدة لأنك تخشى أن ترتكب خطأ أمام الآخرين.
وهكذا تحمي نفسك من الفشل، لكنك في الوقت نفسه تحرمها من الخبرة.
فالخبرة غالبًا توجد في المسافة الواقعة بين «هذا الشيء أعرف كيف أفعله» و**«هذا الشيء لا أعرفه بعد، لكنني أستطيع تعلمه».**
ادخل هذه المسافة بحساب، وستجد نفسك بعد فترة قادرًا على فعل أشياء كانت تخيفك سابقًا.

الخلاصة: ورّط نفسك… ولكن بذكاء

لا تنتظر حتى تشعر أنك مستعد تمامًا؛ لأن بعض أنواع الاستعداد لا تأتي قبل التجربة، بل تولد داخلها.
اقرأ، خطط، اسأل، احسب خسارتك المحتملة، ثم عندما تصبح المخاطرة في حدود ما تستطيع تحمله… ضع نفسك في ورطة.
اقبل المهمة التي تخيفك قليلًا، ابدأ المشروع الصغير، انشر ما تكتبه، تحمل مسؤولية أكبر، وادخل المساحة التي ستجبرك على أن تصبح أفضل مما أنت عليه اليوم.
وبعد كل تجربة، توقف وراجع ما حدث وسجل أخطاءك ونجاحاتك؛ لأن التجربة التي لا تراجعها قد تمر وتنساها، أما التجربة التي تحللها فتتحول إلى خبرة.
لكن تذكر دائمًا:
ورّط نفسك في شيء يجبرك على النمو، لا في شيء قد يهدم حياتك.
لأن الخبرة لها ثمن، والذكي ليس من يهرب من دفعه، بل من يعرف كم يستطيع أن يدفع، ولماذا يدفعه، وماذا سيتعلم في المقابل. 
الكاتب هتان المدني
بواسطة : الكاتب هتان المدني
هتان المدني، كاتب ومؤلف سعودي، أكتب في قضايا النفس والعلاقات والحياة والمجتمع، وأشارك تجاربي وتأملاتي بأسلوب يجمع بين الواقع والفكرة. صدر لي كتابا «في سجن عزلتي» و«شبح الطلاق»، وأسعى من خلال «سوالف هتان» إلى تقديم محتوى يترك للقارئ فكرة تستحق التأمل.
تعليقات