زمن الفردانية.. لا ترفع سقف توقعاتك من الآخرين

في ليلة البارحة كنت جالسًا في أحد المقاهي مع صديق لي، نتبادل أطراف الحديث، حتى وصل بنا النقاش إلى التعلق بالآخرين وحاجة الإنسان إلى من يدعمه ويسنده.
كان صديقي يتحدث بشيء من العتب: لا أحد يقف معه كما يتوقع، وكل شخص أصبح مشغولًا بحياته ومشكلاته ومسؤولياته. أتفق معه في أن الإنسان يحتاج إلى الإنسان، وأن الحياة لا تستقيم إذا تحول كل واحد منا إلى جزيرة منعزلة عن الآخرين.
ولكن...
هناك حقيقة أخرى علينا ألا نتجاهلها: نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الفردانية أكثر حضورًا من أي وقت مضى.



زمن الفردانية وعدم رفع سقف التوقعات من الآخرين وأهمية الاعتماد على النفس دون الاستغناء عن الناس



لماذا أصبحنا أكثر فردانية؟

ربما يكون أحد الأسباب هو طبيعة الزمن الذي نعيشه. الحياة أصبحت أسرع، والمسؤوليات أكثر، والتقنية تحاصرنا من كل اتجاه، وفي كل يوم تظهر أمامنا احتياجات ورغبات جديدة. نريد أن نحقق أكثر، ونملك أكثر، ونصل أسرع.
ومع هذا الركض المستمر، أصبح الإنسان منشغلًا بمعركته الخاصة؛ وظيفته، مستقبله، أسرته، التزاماته، مشكلاته وأهدافه، حتى أصبح من السهل أن يشعر كل واحد منا بأن شعاره في الحياة هو: «نفسي أولًا».
وهنا تبدأ المشكلة، فالإنسان مهما حاول أن يكون مستقلًا، يظل كائنًا اجتماعيًا يحتاج إلى أهله وأصدقائه ومن يحبهم، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. لكن حاجتنا إلى الآخرين لا تعني أن نجعل حياتنا قائمة بالكامل عليهم.

لا ترفع سقف توقعاتك من الآخرين

ربما يكون جزء كبير من خيباتنا ليس لأن الناس سيئون، وإنما لأننا توقعنا منهم أكثر مما يستطيعون تقديمه. نتوقع من الصديق أن يكون حاضرًا دائمًا، ومن القريب أن يفهمنا دون أن نتحدث، ومن الشخص الذي وقفنا معه يومًا أن يقف معنا بالطريقة نفسها عندما نحتاج إليه، ثم عندما لا يحدث ذلك نشعر بالخذلان.
لكن الحقيقة أن لكل إنسان حياته وظروفه ومعاركه التي قد لا نعرف عنها شيئًا. لذلك علينا ألا نرفع سقف توقعاتنا في المحيطين بنا، وألا نتكئ عليهم بكل ثقلنا؛ لأن الإنسان الذي يجعل شخصًا آخر عموده الوحيد قد يجد نفسه يومًا بلا شيء يستند إليه.
أحب الناس، واستند إليهم حين تحتاج، ولكن تعلّم أيضًا كيف تقف على قدميك.

الاستقلال لا يعني أن تتجرد من إنسانيتك

ولا أريد أن يُفهم كلامي على أنه دعوة إلى الأنانية أو قطع العلاقات أو أن يقول كل إنسان: لا أحتاج إلى أحد. هذا ليس المقصود، فنحن بحاجة إلى بعضنا، وربما تكون أجمل الأشياء التي نعيشها في هذه الحياة مرتبطة بأشخاص شاركونا أفراحنا وأحزاننا ووقفوا معنا في لحظات ضعفنا.
لكن هناك فرقًا بين أن يكون وجود الآخرين إضافة جميلة إلى حياتك، وبين أن تصبح حياتك عاجزة دونهم. فالاستقلال النفسي لا يعني ألا تحب، ولا يعني ألا تطلب المساعدة، ولا أن تمتنع عن إسناد غيرك أو السماح لغيرك بأن يسندك؛ إنما يعني ألا تجعل استقرارك النفسي وقيمتك وقدرتك على الاستمرار مرهونة بوجود شخص آخر.

لا تجعل خيبة واحدة تغير نظرتك إلى البشر

الاعتماد المفرط على الآخرين يحمل خطرًا آخر، فعندما نضع كل ثقتنا وتوقعاتنا في شخص ثم يخذلنا، قد لا نتوقف عنده، بل نعمم التجربة على الجميع. نقنع أنفسنا بأنه لا أحد يستحق الثقة، وأن كل الناس يتغيرون، وأن لا أحد يبقى.
وهكذا قد يأتي إلى حياتنا أشخاص أنقياء وصادقون، لكننا نعاقبهم على أخطاء أشخاص سبقوهم. لذلك لا تجعل خيبة شخص واحد تتحول إلى حكم على البشر جميعًا، ولا تجعل تجربة سيئة تسلب منك القدرة على رؤية الخير عندما يأتيك في شخص آخر.

كن سندًا لنفسك دون أن تصبح وحيدًا

ربما هذا هو التوازن الأصعب: أن تتعلم كيف تعتمد على نفسك دون أن تستغني عن الناس، وأن تحبهم دون أن تتعلق بهم بطريقة تهدمك إذا غابوا، وأن تساعد دون أن تنتظر أن يعيد الجميع لك الجميل بالطريقة نفسها.
قاعدتي التي أحاول أن أعيش بها هي: «افعل الخير ما استطعت إليه سبيلًا، ولا تحمّل نفسك إلا وسعها.»
ساعد من تستطيع، وقف مع من تحب، وكن حاضرًا عندما يحتاج إليك الآخرون، لكن في الوقت نفسه ابنِ داخلك شيئًا لا يعتمد بالكامل على وجودهم. فقد ينشغل الصديق، وقد يبتعد القريب، وقد تتغير الظروف، وقد يفارقنا أشخاص لم نتخيل يومًا الحياة من دونهم، وحينها يجب أن يبقى في داخلك ما يكفي لتقف مرة أخرى.
لسنا مطالبين بأن نستسلم لزمن الفردانية، ولا أن نتحول إلى أشخاص لا يحتاج بعضهم إلى بعض، لكن ربما علينا أن نتعلم كيف نعيش فيه دون أن نهزم أنفسنا بكثرة التوقعات.
كن سندًا لمن تحب، لكن لا تنسَ أن تتعلم كيف تكون سندًا لنفسك أيضًا.
وهذا تقريبًا ما قلته لصديقي في ذلك المقهى.
الكاتب هتان المدني
بواسطة : الكاتب هتان المدني
هتان المدني، كاتب ومؤلف سعودي، أكتب في قضايا النفس والعلاقات والحياة والمجتمع، وأشارك تجاربي وتأملاتي بأسلوب يجمع بين الواقع والفكرة. صدر لي كتابا «في سجن عزلتي» و«شبح الطلاق»، وأسعى من خلال «سوالف هتان» إلى تقديم محتوى يترك للقارئ فكرة تستحق التأمل.
تعليقات