هناك أشياء كثيرة يمكن للإنسان أن يبني حياته حولها: أسرته، عمله، ماله، صورته أمام الناس، علاقاته، سعادته، وحتى نفسه. وقد لا يبدو في ذلك مشكلة من الوهلة الأولى؛ فالأسرة مهمة، والعمل مهم، والمال ضرورة، والعلاقات جزء أساسي من حياتنا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول أحد هذه الأشياء من جزء من حياتنا إلى المحور الذي تدور حوله حياتنا كلها.
عندما نجعل المبادئ الصحيحة محورًا لحياتنا، فإننا نضع أساسًا أكثر ثباتًا من الأشياء التي تتغير بتغير الظروف والناس. فالإنسان قد يفقد وظيفة، أو يخسر مالًا، أو تتغير علاقته بشخص كان يعتقد أنه سيبقى معه إلى الأبد، لكن المبادئ التي يؤمن بها لا ينبغي أن تتبدل كلما تبدلت الظروف.
وهنا تكمن أهمية أن يسأل الإنسان نفسه سؤالًا قد يبدو بسيطًا، لكنه يكشف الكثير:
ما الشيء الذي تدور حوله حياتي فعلًا؟
ليس ما أقوله عن نفسي، وإنما ما تكشفه قراراتي عندما أتعرض للضغط.
لماذا نحتاج إلى مبادئ ثابتة في حياتنا؟
المبادئ لا تجاملنا، ولا تغضب منا، ولا تتغير لأن مزاج شخص ما تغير تجاهنا. العدل يظل عدلًا حتى عندما يكون تطبيقه ضد مصلحتنا، والأمانة لا تصبح خطأ لأن الكذب في موقف معين أسهل، وتحمل المسؤولية لا يفقد قيمته لأن الهروب منها أكثر راحة وهذه إحدى أهم ميزات الحياة المبنية على المبادئ؛ فأنت لا تجعل قيمتك رهينة رأي الآخرين، ولا تجعل قراراتك رهينة ظرف مؤقت.
قد تتغير نظرتنا إلى بعض الأمور مع الخبرة والنضج، وهذا أمر طبيعي، لكن هناك فرقًا بين أن يتطور فهمنا للمبدأ وبين أن نغير مبادئنا كلما تغيرت مصالحنا.
أحيانًا لا نكتشف حقيقة المبادئ التي نعيش عليها إلا عندما نتعرض لاختبار حقيقي. فمن السهل الحديث عن الصبر عندما تسير الأمور كما نريد، وعن الأمانة عندما لا يكلفنا الصدق شيئًا، وعن الوفاء عندما لا توجد أمامنا مغريات أخرى.
الاختبار الحقيقي للمبدأ يبدأ عندما يصبح له ثمن.
ما الذي يحدث عندما نجعل الأشخاص محور حياتنا؟
من أكثر الأخطاء التي نقع فيها أن نجعل شخصًا معينًا مركز عالمنا قد يكون الزوج أو الزوجة، وقد تكون الأسرة أو الأصدقاء. في البداية يبدو الأمر وكأنه دليل على المحبة والوفاء، لكنه قد يتحول تدريجيًا إلى اعتماد يجعل استقرار الإنسان النفسي مرتبطًا بطريقة تعامل الآخرين معه.
فإذا كان رضا الزوج أو الزوجة هو المصدر الأساسي لشعورك بقيمتك، ستصبح أكثر حساسية تجاه كل كلمة أو اختلاف أو موقف. وقد تبدأ في اتخاذ قراراتك ليس بناءً على ما تراه صحيحًا، وإنما بناءً على خوفك من غضب الطرف الآخر أو فقدانه.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية شريك الحياة، بل العكس. العلاقة الصحية تحتاج إلى الحب والاهتمام والتنازل أحيانًا، لكنها لا تحتاج إلى أن يلغي أحد الطرفين شخصيته ومبادئه حتى يحافظ عليها.
والأمر نفسه يحدث مع الأسرة.
فالأسرة قد تكون مصدرًا للأمان والدعم، لكنها عندما تصبح المرجع الوحيد لكل قرار قد يجد الإنسان نفسه يعيش وفق توقعات الآخرين أكثر مما يعيش وفق قناعاته ومسؤوليته عن حياته.
احترام الأسرة شيء، وتحويل حياتك بالكامل إلى محاولة مستمرة لنيل رضا الجميع شيء آخر.
عندما يصبح العمل هويتك
هناك أشخاص لا يعرفون كيف يقدمون أنفسهم إلا من خلال وظائفهم.
يسأل نفسه: من أنا؟
فيجيب باسم منصبه.
ومع مرور الوقت يصبح النجاح المهني هو المقياس الوحيد لقيمته، ويبدأ في التضحية بأجزاء أخرى من حياته؛ صحته، أسرته، علاقاته وراحته، لأنه أقنع نفسه بأن العمل هو حياته.
العمل جزء مهم من حياة الإنسان، وقد يكون مصدرًا للإنجاز والاستقرار وتحقيق الطموحات، لكنه يظل جزءًا من الحياة وليس الحياة كلها.
وتظهر المشكلة الحقيقية عندما يفقد الإنسان وظيفته أو يتقاعد أو تتغير ظروف عمله، فيكتشف أنه لم يكن يبني مهنة فقط، بل كان يبني هويته كلها حول شيء يمكن أن يختفي في يوم واحد.
يسأل نفسه: من أنا؟
فيجيب باسم منصبه.
ومع مرور الوقت يصبح النجاح المهني هو المقياس الوحيد لقيمته، ويبدأ في التضحية بأجزاء أخرى من حياته؛ صحته، أسرته، علاقاته وراحته، لأنه أقنع نفسه بأن العمل هو حياته.
العمل جزء مهم من حياة الإنسان، وقد يكون مصدرًا للإنجاز والاستقرار وتحقيق الطموحات، لكنه يظل جزءًا من الحياة وليس الحياة كلها.
وتظهر المشكلة الحقيقية عندما يفقد الإنسان وظيفته أو يتقاعد أو تتغير ظروف عمله، فيكتشف أنه لم يكن يبني مهنة فقط، بل كان يبني هويته كلها حول شيء يمكن أن يختفي في يوم واحد.
عندما يصبح المال مقياسًا للقيمة
المال ضرورة، ولا يمكن التقليل من أهميته في تحقيق الاستقرار وتوفير الاحتياجات وصناعة الكثير من الفرص لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول من وسيلة إلى معيار نقيس به أنفسنا والآخرين، حينها يصبح صافي ثروتك هو ما يحدد قيمتك في نظرك، وتصبح الخسارة المالية تهديدًا لهويتك وليس لحسابك البنكي فقط وقد تبدأ في النظر إلى قرارات الحياة كلها من زاوية واحدة: كم سأربح؟ وهنا قد يخسر الإنسان أشياء لا يستطيع المال شراءها لاحقًا.
المبدأ لا يقول إن المال سيئ، وإنما يقول: ضع المال في مكانه الصحيح؛ في يدك، لا في مركز حياتك.
عندما نعيش من أجل ما نملك
قد لا يكون المال نفسه هو المحور، وإنما الأشياء التي نستطيع شراءها به، السيارة، المنزل، الملابس، المكانة الاجتماعية، الصورة التي نريد أن يرانا الناس بها وحين تصبح الممتلكات محورًا لحياتنا، تبدأ المقارنة.
ماذا يملك فلان؟ ماذا يقود؟ أين يسكن؟ كيف ينظر الناس إليه؟ وهل ما أملكه يجعلني أقل منه أم أكثر؟
وهكذا يتحول الإنسان من الاستمتاع بما لديه إلى مطاردة مستمرة لما لدى الآخرين.
المشكلة ليست في امتلاك الأشياء الجميلة، وإنما في اللحظة التي تبدأ فيها الأشياء التي نملكها بامتلاكنا نحن.
هل يجب أن تكون السعادة محور حياتنا؟
قد يبدو غريبًا أن تكون السعادة نفسها مشكلة لكنها تصبح كذلك عندما يعتقد الإنسان أنه يجب أن يكون سعيدًا طوال الوقت. الحياة بطبيعتها لا تسير على حالة شعورية واحدة. فيها أيام جميلة وأيام ثقيلة، نجاح وخسارة، راحة وتعب، لقاء وفراق، فإذا جعل الإنسان الشعور بالسعادة معيارًا لكل قرار، فقد يبدأ في الهروب من أي التزام أو مسؤولية تسبب له مشقة مؤقتة، بعض القرارات الصحيحة لا تجعلنا سعداء لحظيًا وبعض المسؤوليات متعبة وبعض مراحل النجاح قاسية.
لذلك ليست الحياة الجيدة هي الحياة التي لا نشعر فيها بالحزن، وإنما الحياة التي نعرف لماذا نتحمل بعض الألم، وما القيمة التي نسعى إليها من خلاله.
عندما يصبح رأي الناس مرآتك
من أخطر المحاور التي يمكن أن يعيش الإنسان حولها نظرة الآخرين إليه.
ماذا سيقولون؟
هل سيعجبهم قراري؟
هل سيعتقدون أنني ناجح؟
هل صورتي أمامهم جيدة؟
وحين يصبح رأي الناس مصدرًا لقيمتك، ستصبح حياتك عرضة للتقلب؛ لأن الناس أنفسهم متقلبون. من يمدحك اليوم قد ينتقدك غدًا، ومن يراك ناجحًا قد يغير رأيه عند أول إخفاق.
والإنسان الذي يعيش طوال الوقت من خلال أعين الآخرين قد يصل في النهاية إلى مرحلة يعرف فيها جيدًا الصورة التي يريدها الناس منه، لكنه لا يعرف من هو فعلًا.
لا تجعل عدوك محور حياتك
قد يبدو غريبًا أن يجعل الإنسان شخصًا يكرهه محورًا لحياته، لكنه يحدث أكثر مما نعتقد.
حين تقضي وقتك في التفكير فيما يفعله شخص تختلف معه، وتبني قراراتك على محاولة إثبات خطئه أو التفوق عليه أو الرد عليه، فأنت في الحقيقة منحته مساحة كبيرة داخل حياتك. حتى لو كنت تكرهه قد تتحول المنافسة إلى غضب، والغضب إلى رغبة مستمرة في الانتصار، ثم تكتشف أنك لم تعد تتحرك نحو أهدافك، وإنما تتحرك كرد فعل على شخص آخر.
وأحيانًا أفضل انتصار على خصمك ألا تجعله أصلًا جزءًا من قراراتك.
وماذا عن أن تجعل نفسك محور كل شيء؟
حتى الذات قد تتحول إلى محور غير متزن.
ماذا أريد؟
ما الذي يناسبني؟
ماذا سأستفيد؟
هل هذا الشيء ممتع بالنسبة لي؟
الاهتمام بالنفس ضروري، ومعرفة الإنسان لحقوقه وحدوده أمر مهم، لكن تحويل الحياة كلها إلى سؤال واحد هو: «ماذا سأحصل أنا؟» يجعل الإنسان أسيرًا لرغباته.
فنحن لا نعيش وحدنا، ولا يمكن بناء أسرة أو صداقة أو مجتمع إذا كان كل شخص يرى العالم من خلال احتياجاته وحدها.
ماذا أريد؟
ما الذي يناسبني؟
ماذا سأستفيد؟
هل هذا الشيء ممتع بالنسبة لي؟
الاهتمام بالنفس ضروري، ومعرفة الإنسان لحقوقه وحدوده أمر مهم، لكن تحويل الحياة كلها إلى سؤال واحد هو: «ماذا سأحصل أنا؟» يجعل الإنسان أسيرًا لرغباته.
فنحن لا نعيش وحدنا، ولا يمكن بناء أسرة أو صداقة أو مجتمع إذا كان كل شخص يرى العالم من خلال احتياجاته وحدها.
كيف تختلف قراراتك عندما تكون المبادئ هي المحور؟
لنفترض أنك وعدت زوجتك بالخروج لتناول العشاء، وكانت تنتظر هذا الموعد، ثم قبل انتهاء دوامك طلب منك مديرك البقاء في العمل للمساعدة في التحضير لاجتماع مهم في صباح اليوم التالي.
هنا يظهر محور حياتك، إذا كان رضا زوجتك هو محورك الوحيد، فقد ترفض البقاء مباشرة خوفًا من غضبها، وإذا كان العمل هو محور حياتك، فقد تلغي الموعد معها دون تفكير لأن الوظيفة تأتي دائمًا أولًا وإذا كان المال هو المحور، فقد يكون أول ما تفكر فيه هو المقابل المالي أو تأثير بقائك على الترقية، أما عندما تنظر إلى الموقف من خلال المبادئ، فستحاول ألا تجعل قرارك رد فعل تلقائيًا تجاه عامل واحد.
ستسأل: هل وجودي في العمل ضروري فعلًا؟ هل يمكن إنجاز المهمة بطريقة أخرى؟ هل الموعد مع زوجتي يمكن تأجيله؟ هل وعدتها بهذا الموعد بعد سلسلة من التأجيلات السابقة؟ ما أثر كل قرار؟ وهل هناك حل يحفظ مسؤوليتي المهنية دون أن أتجاهل مسؤوليتي الأسرية؟
قد تكون النتيجة في النهاية أن تبقى في العمل وقد تكون أن تعتذر لمديرك وتذهب إلى زوجتك، الفرق ليس في النتيجة وحدها، وإنما في الطريقة التي وصلت بها إليها.
فأنت لم تتخذ قرارك لأنك تخشى زوجتك، أو تريد إرضاء مديرك، أو تطارد المال، وإنما حاولت الموازنة بين مسؤولياتك وفق ما تراه صحيحًا.
المبادئ لا تجعل الحياة أسهل… لكنها تجعل قراراتنا أوضح
العيش وفق المبادئ لا يعني أن الإنسان سيملك إجابة جاهزة لكل موقف، ولا يعني أن جميع قراراته ستكون صحيحة.
نحن بشر، وقد نخطئ في التقدير حتى عندما تكون نياتنا جيدة لكن وجود مبادئ واضحة يمنحنا مرجعًا نعود إليه عندما تتصارع المصالح والرغبات والضغوط من حولنا، فالزوج مهم، والأسرة مهمة، والعمل مهم، والمال مهم، والأصدقاء مهمون، والسعادة مهمة، وحتى صورتنا عن أنفسنا مهمة، لكن الخطأ يبدأ عندما نسمح لواحد منها بأن يصبح المقياس الوحيد الذي نرى من خلاله الحياة. لذلك من المفيد أن نسأل أنفسنا بين فترة وأخرى:
ما الشيء الذي لو فقدته اليوم سأشعر أنني فقدت قيمتي معه؟
قد تكشف إجابتك عن المحور الحقيقي الذي بنيت حياتك حوله دون أن تنتبه.
وفي النهاية، لا تظهر مبادئ الإنسان فيما يقوله عندما تكون الحياة هادئة، بل تظهر في القرار الذي يتخذه عندما تتعارض مصلحته مع ما يؤمن بأنه صحيح.
فلا تسأل نفسك فقط: ما المبادئ التي أؤمن بها؟ بل اسأل: هل قراراتي فعلًا تثبت أنني أعيش وفقها؟

أتشرف وأسعد باستقبال تعليقاك على المقال وقراءة رأيك فيه