دعني أبدأ بسؤالين قد تكون الإجابة عنهما أصعب مما تتوقع:
هل تعرف حقيقة ما يجري بداخلك؟ وهل تعرف مقدار ما تراكم في نفسك من جروح وألم وأشياء تجاهلتها طويلًا؟
قبل أن تكمل القراءة، حاول أن تجيب بصدق. ليس أمامي ولا أمام أي شخص آخر، وإنما أمام نفسك؛ لأن أول خطوة في إصلاح الذات ليست أن تجد الحل، بل أن تعترف بوجود المشكلة.
فالإنسان يستطيع أن يخدع الآخرين، ويستطيع أن يظهر أمامهم بصورة المتماسك والقوي والسعيد، لكنه في لحظات الخلوة يعرف جيدًا الأشياء التي يحاول الهروب منها.
والحقيقة التي تعلمتها أن الحلول الصادقة تبدأ عندما نتوقف عن الكذب على أنفسنا.
لماذا نهرب من مواجهة أنفسنا؟
هناك أشخاص يعيشون سنوات وهم يحملون آثار تجارب قديمة، وخيبات وعلاقات مؤذية وأخطاء لم يتصالحوا معها، ثم يحاولون الاستمرار في حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث.
بعضهم يعرف أن بداخله مشكلة لكنه يؤجل مواجهتها، وبعضهم اعتاد الألم حتى أصبح يعتقد أن هذه هي طبيعته التي لا يمكن تغييرها.
وقد يقول الإنسان لنفسه: هذا نصيبي، وهذه شخصيتي، وهذه هي الحياة التي كتبها الله لي، لكن الإيمان بالقضاء والقدر لا يعني الاستسلام لكل مشكلة نستطيع العمل على تغييرها فنحن لا نختار جميع الأشياء التي تحدث لنا، لكننا نملك قدرًا من المسؤولية تجاه الطريقة التي نتعامل بها معها بعد حدوثها.
وقد لا تكون مسؤولًا عن الجرح الذي أصابك، لكنك مسؤول عن ألا تتركه يقود بقية حياتك.
عندما تتحول المعاناة إلى هوية
هناك جانب آخر أكثر تعقيدًا؛ فبعض الناس يعيشون مع الألم مدة طويلة حتى يصبح جزءًا من تعريفهم لأنفسهم، لا يعني ذلك أنهم اختاروا ما حدث لهم أو أنهم يستمتعون بمعاناتهم، وإنما قد يعتاد الإنسان دور الضحية إلى درجة يصبح الخروج منه مخيفًا.
فالضحية تجد دائمًا تفسيرًا جاهزًا:
أنا هكذا بسبب ما حدث لي.
أنا لا أستطيع بسبب فلان.
حياتي توقفت بسبب الماضي.
وقد تكون هذه الأسباب حقيقية فعلًا، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من تفسير لما حدث إلى مبرر لعدم تغيير ما سيحدث.
وهناك فرق كبير بين أن تفهم أسباب جراحك، وبين أن تسمح لها بأن تصبح هويتك.
إصلاح ذاتك مسؤوليتك… لكنه لا يعني أن تفعل كل شيء وحدك
من أهم الأشياء التي تعلمتها من تجاربي أن الإنسان يجب أن يتحمل مسؤولية إصلاح نفسه.
قد تجد شخصًا يحبك ويقف بجانبك، وقد تجد أسرة تحتضنك، وصديقًا يسمعك، وقد تحتاج أحيانًا إلى مساعدة مختص، وكل ذلك مهم ولا ينبغي التقليل من قيمته لكن لا أحد يستطيع أن يقوم بالجزء الخاص بك نيابة عنك.
لا يستطيع شخص آخر أن يقرر عنك مواجهة الماضي، أو تغيير عادة تؤذيك، أو وضع حدود في علاقاتك، أو الاعتراف بأخطائك، أو البدء من جديد.
الآخرون يستطيعون مساعدتك في الطريق، لكن المشي سيظل مسؤوليتك أنت. وهنا أرى الفرق بين طلب المساعدة وبين تعليق حياتنا على الآخرين.
اطلب الدعم عندما تحتاجه، ولا تخجل من ذلك، لكن لا تنتظر شخصًا يأتي ليعيد بناء حياتك بالكامل بينما تقف أنت متفرجًا.
ومن تجربتي الشخصية، وجدت أن رحلة إصلاح الذات تقوم عندي على ثلاثة أركان رئيسية: علاقتي بالله، والخلوة الصادقة مع نفسي، والتعلم المستمر.
أولًا: معرفة الله والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب
من أكثر الأشياء التي تمنح الإنسان قوة في لحظات الضعف أن يعرف أن حياته ليست عبثًا، وأن علاقته بالله لا تقتصر على الدعاء عندما تضيق به الدنيا.
قال الله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾
وهذه الآية تحمل معنى عميقًا بالنسبة لي؛ فالإنسان في كثير من الأحيان يعرف حقيقة نفسه أكثر مما يظهر للآخرين، ويعرف الأشياء التي يهرب منها مهما كثرت الأعذار التي يقدمها. ومن هنا يأتي فهم التوكل، فالتوكل على الله لا يعني أن نجلس وننتظر أن تتغير حياتنا دون أن نفعل شيئًا. التوكل يجمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب.
تدعو وتسعى، تطلب من الله الشفاء وتأخذ بأسباب العلاج، تطلب الرزق وتعمل، تطلب النجاح وتتعلم وتجرب. أما أن نترك الأسباب ثم ننتظر تغير النتائج، فهذه ليست الطريقة التي تستقيم بها الحياة.
الإيمان يمنحك القوة، لكن عليك أن تتحرك بهذه القوة.
ثانيًا: العزلة المحمودة والخلوة بالنفس
أنا أؤمن بأهمية العزلة، وربما لهذا السبب كانت لها مساحة كبيرة في تجربتي وكتاباتي حتى كتبت كتابي «في سجن عزلتي».
لكنني عندما أتحدث عن العزلة لا أقصد الانقطاع عن الناس أو الهروب من المجتمع.
هناك فرق بين العزلة التي تعيدك إلى نفسك والعزلة التي تحبسك داخلها، العزلة المحمودة بالنسبة لي هي أن تمنح نفسك وقتًا بعيدًا عن الضوضاء، وعن آراء الناس، وعن وسائل التواصل، وعن الأدوار التي تؤديها أمام الآخرين.
أن تجلس مع نفسك وتسأل:
ماذا حدث لي؟
ما الذي ما زال يؤلمني؟
لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟
ما الأشياء التي أخاف مواجهتها؟
ما نقاط قوتي؟
وما نقاط ضعفي التي أحتاج إلى العمل عليها؟
أحيانًا نخشى هذه الجلسة لأن الضوضاء أسهل من مواجهة أنفسنا، لكنني اكتشفت أن بعض الأشياء لا تظهر إلا عندما يهدأ كل شيء من حولنا، العزلة الجيدة لا تجعلك تكره الناس، وإنما تساعدك على العودة إليهم وأنت أكثر فهمًا لنفسك.
وهذه الفكرة كانت واحدة من التجارب التي دفعتني إلى الكتابة عن العزلة؛ لأنني لم أعد أراها مجرد ابتعاد عن الآخرين، وإنما مساحة لإعادة ترتيب الإنسان من الداخل.
ثالثًا: التعلم الذاتي رحلة لا تنتهي
بعد أن تبدأ في اكتشاف نفسك ستظهر أمامك أسئلة كثيرة.
لماذا أكرر السلوك نفسه؟
لماذا أفشل في وضع الحدود؟
لماذا أتعلق ببعض الأشخاص؟
لماذا أخاف من الرفض؟
كيف أتعامل مع غضبي؟
كيف أغير عادة رافقتني سنوات؟
وهنا يأتي دور التعلم.
القراءة والبحث والاستماع إلى أهل المعرفة والاستفادة من التجارب قد تفتح أمامك أبوابًا لم تكن تعرف بوجودها.
لكن هناك نقطة مهمة جدًا:
ليس كل ما يُكتب عن تطوير الذات أو الصحة النفسية صحيحًا.
الإنترنت مليء بالنصائح، وبعضها قد يكون سطحيًا أو غير مناسب لحالتك. لذلك تعلم، واقرأ، وابحث، لكن لا تجعل مقطعًا قصيرًا أو كتابًا واحدًا بديلًا عن المختص عندما تكون المشكلة أكبر من قدرتك على التعامل معها بمفردك.
التعلم الذاتي أداة قوية، لكنه جزء من رحلة الإصلاح وليس وصفة سحرية.
لماذا أكرر السلوك نفسه؟
لماذا أفشل في وضع الحدود؟
لماذا أتعلق ببعض الأشخاص؟
لماذا أخاف من الرفض؟
كيف أتعامل مع غضبي؟
كيف أغير عادة رافقتني سنوات؟
وهنا يأتي دور التعلم.
القراءة والبحث والاستماع إلى أهل المعرفة والاستفادة من التجارب قد تفتح أمامك أبوابًا لم تكن تعرف بوجودها.
لكن هناك نقطة مهمة جدًا:
ليس كل ما يُكتب عن تطوير الذات أو الصحة النفسية صحيحًا.
الإنترنت مليء بالنصائح، وبعضها قد يكون سطحيًا أو غير مناسب لحالتك. لذلك تعلم، واقرأ، وابحث، لكن لا تجعل مقطعًا قصيرًا أو كتابًا واحدًا بديلًا عن المختص عندما تكون المشكلة أكبر من قدرتك على التعامل معها بمفردك.
التعلم الذاتي أداة قوية، لكنه جزء من رحلة الإصلاح وليس وصفة سحرية.
لا تجعل ماضيك يحكم مستقبلك
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الإنسان أن يسمح لنسخة قديمة منه بأن تتحكم في بقية حياته.
نعم، هناك أشياء حدثت ولا يمكن تغييرها.
هناك أشخاص جرحونا.
وقرارات نندم عليها.
وفرص ضاعت.
ومراحل من حياتنا نتمنى لو استطعنا العودة إليها والتصرف بطريقة مختلفة.
لكن الماضي يمتلك حقيقة واحدة لا نستطيع تغييرها:
لقد حدث وانتهى.
ما زال بإمكانه التأثير فينا، لكنه لا ينبغي أن يحصل تلقائيًا على حق تحديد مستقبلنا، ليس المطلوب أن تنسى كل ما حدث، ولا أن تتظاهر بأنك لم تتألم، المطلوب أن تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تقول:
حدث هذا لي، وتألمت منه، وتعلمت منه، لكنني لن أسمح له بأن يكون بقية قصتي.
نعم، هناك أشياء حدثت ولا يمكن تغييرها.
هناك أشخاص جرحونا.
وقرارات نندم عليها.
وفرص ضاعت.
ومراحل من حياتنا نتمنى لو استطعنا العودة إليها والتصرف بطريقة مختلفة.
لكن الماضي يمتلك حقيقة واحدة لا نستطيع تغييرها:
لقد حدث وانتهى.
ما زال بإمكانه التأثير فينا، لكنه لا ينبغي أن يحصل تلقائيًا على حق تحديد مستقبلنا، ليس المطلوب أن تنسى كل ما حدث، ولا أن تتظاهر بأنك لم تتألم، المطلوب أن تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تقول:
حدث هذا لي، وتألمت منه، وتعلمت منه، لكنني لن أسمح له بأن يكون بقية قصتي.
ارفق بنفسك… لكن لا تدلل ضعفك
هناك فرق بين الرحمة بالنفس والاستسلام لها، ارفق بنفسك عندما تخطئ، لكن تعلم من الخطأ، سامح نفسك على الماضي، لكن لا تستخدم المسامحة لتكراره. اعترف بضعفك، لكن لا تحوله إلى هوية دائمة، خذ وقتك في التعافي، لكن لا تجعل عبارة «أنا أتعافى» مبررًا للبقاء في المكان نفسه سنوات.
كُن مع نفسك، لا عليها… ولكن كُن صادقًا معها أيضًا.
فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يحتضن نفسه، وفي أحيان أخرى يحتاج إلى أن يواجهها بالحقيقة.
أنت مسؤول عن الخطوة القادمة
لا أعتقد أن الإنسان يستطيع إصلاح كل ما بداخله في يوم أو أسبوع أو حتى سنة، بعض الأشياء تحتاج وقتًا وبعض الجروح قد تبقى لها آثار وبعض الأسئلة قد لا نجد لها إجابات كاملة، لكن الهدف ليس الوصول إلى نسخة من أنفسنا خالية من العيوب والألم، فهذا تصور غير واقعي، الهدف أن نكون أكثر وعيًا بأنفسنا، وأكثر قدرة على التعامل مع ما حدث لنا، وأقل استعدادًا للسماح للماضي بأن يكرر نفسه في حاضرنا.
استعن بالله وخذ بالأسباب اختلِ بنفسك عندما تحتاج إلى سماعها وتعلم واطلب المساعدة عندما تحتاجها وتحمل مسؤولية الجزء الذي تستطيع تغييره، وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نعود إليه هو السؤال نفسه الذي بدأنا به:
هل تعرف حقيقة ما يحدث بداخلك؟
وإذا كنت تعرفها بالفعل، فهناك سؤال أهم:
ماذا ستفعل الآن بهذه المعرفة؟

أتشرف وأسعد باستقبال تعليقاك على المقال وقراءة رأيك فيه