الحرب العالمية الثالثة بين الرجل والمرأة

سأبدأ هذا المقال بسؤال: هل كل الحروب تحتاج إلى أسلحة ونيران وجيوش حتى نسميها حربًا؟
بالطبع لا. فهناك حروب لا تسقط فيها المباني، لكنها تهدم العلاقات، ولا نسمع فيها صوت الرصاص، لكننا نسمع أثرها في البيوت وبين الأزواج وفي الطريقة التي ينظر بها الرجال والنساء بعضهم إلى بعض. ومن هذا المعنى جاء عنوان هذا المقال: «الحرب العالمية الثالثة بين الرجل والمرأة». أنا لا أتحدث عن حرب حقيقية أو مؤامرة دولية أملك عليها دليلًا، وإنما أستخدم الحرب هنا بوصفها مجازًا لحالة الاستقطاب التي أصبحت واضحة في خطاب العلاقات بين الجنسين، خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ففي السنوات الأخيرة أصبحنا نسمع كثيرًا عن «حقوق الرجل» في مقابل «حقوق المرأة»، وعن الرجل الذي يجب أن ينتصر على المرأة، والمرأة التي يجب أن تثبت أنها لا تحتاج إلى الرجل. وتحولت بعض النقاشات التي كان يفترض أن تبحث عن العدالة والتفاهم إلى معسكرين، كأن نجاح أحدهما لا يمكن أن يحدث إلا على حساب الآخر.
وهنا تكمن المشكلة التي تستحق الحديث عنها؛ لأن الرجل والمرأة لم يُخلقا ليكون أحدهما عدوًا للآخر، والأسرة لا يمكن أن تُبنى في ساحة معركة.

صورة تعبيرية عن الحرب الفكرية بين الرجل والمرأة وتأثير الاستقطاب في العلاقات الزوجية والأسرة ومواقع التواصل الاجتماعي.


متى تحولت العلاقة إلى مواجهة؟

لا مشكلة في الحديث عن حقوق المرأة، كما لا مشكلة في الحديث عن حقوق الرجل. بل إن حفظ الحقوق والكرامة ومنع الظلم ضرورة لأي مجتمع سليم. المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم «الحقوق» من وسيلة لتحقيق العدل إلى سلاح يستخدمه كل طرف في مواجهة الطرف الآخر.
حينها لا يعود السؤال: كيف نبني علاقة صحية وعادلة؟ بل يصبح: من الأقوى؟ ومن يحتاج إلى الآخر أقل؟ ومن يستطيع أن يعيش دون الآخر؟ ومن الطرف الأكثر ظلمًا ومن الطرف الأكثر تضحية؟
وهكذا يتحول الزواج من علاقة يفترض أن تقوم على المودة والرحمة والمسؤولية إلى مفاوضات مبكرة حول النفوذ والمكاسب والخسائر. يدخل الرجل العلاقة وهو يخشى أن تُستغل حقوقه، وتدخل المرأة وهي تخشى أن تُسلب حقوقها، وقبل أن تبدأ الحياة المشتركة أصلًا يكون كل طرف قد بنى خندقًا يحتمي به من الطرف الآخر.
وهذا في رأيي أحد أخطر الأشياء التي فعلها خطاب الصراع الحديث بالعلاقات؛ فقد جعل البعض يتعامل مع الزواج وكأنه معركة محتملة بدل أن يكون مشروع حياة مشتركة.

المرأة القوية ليست عدوًا للرجل

من المصطلحات التي انتشرت كثيرًا عبارة Strong Independent Woman أو «المرأة القوية المستقلة». ولا أرى أن المشكلة في أن تكون المرأة قوية أو قادرة على إدارة حياتها أو ناجحة في تعليمها وعملها، فهذه صفات إيجابية في أصلها.
المشكلة تبدأ عندما يُعاد تعريف القوة على أنها عدم الحاجة إلى الآخر، أو عندما تصبح الاستقلالية مرادفة للصراع معه. فالمرأة تستطيع أن تكون قوية وناجحة وفي الوقت نفسه زوجة وأمًا وشريكة حياة، كما يستطيع الرجل أن يكون قويًا وناجحًا دون أن يحول قوته إلى سيطرة أو انتقاص من المرأة.
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى عدو حتى تثبت وجودها.
لكن بعض المحتوى المنتشر على شبكات التواصل يقدم صورة مختلفة؛ فتجد خطابًا يخاطب المرأة وكأن الرجل مشروع تهديد دائم، وخطابًا آخر يخاطب الرجل وكأن المرأة خصم ينتظر الفرصة للسيطرة عليه. ومع كثرة التعرض لهذا المحتوى قد يبدأ الإنسان في الدخول إلى علاقاته وهو يحمل أحكامًا مسبقة عن الطرف الآخر قبل أن يعرفه أصلًا.

ومواقع التواصل تصب الزيت على النار

لو أردنا البحث عن أكبر ساحات هذه الحرب المجازية اليوم فلن نحتاج إلى الذهاب بعيدًا؛ يكفي أن نفتح بعض منصات التواصل الاجتماعي.
يطرح شخص مشكلة زوجية خاصة، فتتحول التعليقات إلى محاكمة لجنس كامل. يروي رجل تجربة سيئة مع امرأة فيخرج من يقول: «كل النساء هكذا»، وتحكي امرأة تجربتها المؤلمة مع رجل فتظهر العبارة المقابلة: «كل الرجال هكذا».
تجربة فردية تتحول خلال دقائق إلى حكم على ملايين البشر.
والمشكلة أن المحتوى الهادئ والمتزن لا ينتشر دائمًا بالسرعة نفسها التي ينتشر بها المحتوى الغاضب؛ لأن الصراع يجذب الانتباه. عنوان مثل «لماذا أصبحت النساء لا يصلحن للزواج؟» أو «لماذا لم يعد الرجال يستحقون الزواج؟» سيخلق غضبًا وردودًا وجدالًا، وكل هذا يعني تفاعلًا أكبر.
وبمرور الوقت قد تتحول القضية من محاولة فهم العلاقات إلى صناعة محتوى قائم على الحرب بين الجنسين.
والخاسر ليس الرجل وحده ولا المرأة وحدها، وإنما فكرة العلاقة نفسها.

عندما يصبح الزواج شيئًا يجب الخوف منه

من أكثر النتائج التي تزعجني في هذا الخطاب الصورة التي أصبح بعض الشباب والفتيات يحملونها عن الزواج. فالشخص الذي يقضي ساعات كل يوم وهو يشاهد قصص الخيانة والطلاق والاستغلال والمشكلات الزوجية قد يبدأ تدريجيًا في الاعتقاد أن هذه الحالات تمثل الصورة الطبيعية للزواج.
ثم تظهر عبارات ساخرة من نوع: «سيارة تعزك ولا زوجة تذلك»، وفي الجهة الأخرى عبارات مشابهة تجعل المكياج أو السفر أو الاستقلال أكثر قيمة من وجود الرجل في حياة المرأة.
قد تبدو هذه الجمل مجرد نكات، لكنها تعكس أحيانًا تحولًا أعمق في النظرة إلى العلاقة بين الجنسين. فبدل أن يكون الزواج احتمالًا لبناء السكن والمودة والأسرة، يصبح في أذهان البعض مخاطرة من الأفضل تجنبها.
ولا أدعو هنا إلى الزواج لمجرد الزواج، ولا إلى استمرار علاقة مؤذية خوفًا من الطلاق. فالطلاق قد يكون في بعض الحالات الحل الصحيح والأرحم للطرفين. لكن هناك فرقًا بين التعامل الواقعي مع مشكلات الزواج وبين تصوير الزواج نفسه باعتباره معركة خاسرة منذ البداية.

وماذا عن ارتفاع حالات الطلاق؟

في النسخة السابقة من هذا المقال ذكرت أن عدد حالات الطلاق في السعودية عام 2023 بلغ 350 ألف حالة، وبنيت على ذلك افتراضًا بوجود نحو 700 ألف طفل يعيشون بين والدين منفصلين. وبعد مراجعة المصادر الرسمية المتاحة، لا أجد ما يدعم نسبة رقم 350 ألف حالة طلاق في عام 2023 إلى الهيئة العامة للإحصاء، ولذلك لا يصح أن أبقيه في المقال باعتباره حقيقة موثقة.
الهيئة العامة للإحصاء تنشر بيانات الزواج والطلاق اعتمادًا على السجلات الإدارية لوزارة العدل والمؤشرات السكانية، وتوضح بياناتها الرسمية مثلًا أن إجمالي حالات الطلاق المسجلة عام 2020 بلغ 57,595 حالة، وليس 350 ألفًا. كما أن تقرير إحصاءات النوع الاجتماعي لعام 2023 الذي وجدته يعتمد في بيانات الحالة الزواجية على تعداد السعودية 2022، وليس على الرقم المذكور في النسخة القديمة من المقال.
لكن تصحيح الرقم لا يلغي القضية الأساسية. الطلاق حدث اجتماعي مهم وله أسباب متعددة ومعقدة، ولا يمكن اختزاله علميًا في النسوية أو الذكورية أو مواقع التواصل وحدها. الخلافات الزوجية والظروف الاقتصادية وعدم التوافق والعنف وسوء الاختيار والتوقعات غير الواقعية وغيرها قد تتداخل بدرجات مختلفة من حالة إلى أخرى.
ولهذا سيكون من الخطأ أن نأخذ رقم الطلاق، مهما كان، ونقول إن سببه «حقوق المرأة» أو «حقوق الرجل». الأرقام تخبرنا ماذا حدث، لكنها لا تخبرنا وحدها لماذا حدث.

الأطفال لا ينبغي أن يدفعوا فاتورة الحرب

حين يفشل الزواج بين رجل وامرأة فهناك حالات يكون فيها الانفصال أكثر حكمة من استمرار علاقة شديدة الضرر، لكن وجود الأطفال يجعل المسؤولية أكبر بكثير.
فالطلاق ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي الأبوة والأمومة.
وأحد أسوأ ما يمكن أن يحدث بعد الانفصال أن يتحول الطفل إلى سلاح يستخدمه أحد الوالدين ضد الآخر، أو أن يسمع طوال طفولته أحد والديه يشوه صورة الآخر أمامه. الطفل لا ينبغي أن يُطلب منه اختيار معسكر في حرب لم يبدأها.
ولهذا فإن الحديث عن استقرار الأسرة لا ينبغي أن يتحول أيضًا إلى وصم للمطلقين أو أبنائهم، كما لا ينبغي استخدام الأطفال لإجبار زوجين على البقاء في علاقة مؤذية. القضية أعمق من ذلك؛ المطلوب هو أن نتعلم كيف نبني علاقات أكثر نضجًا، وكيف ننهي العلاقة ـ عندما يصبح إنهاؤها ضروريًا ـ بأقل قدر ممكن من الضرر.

حقوق الرجل وحقوق المرأة ليست المشكلة

أعتقد أننا نخطئ عندما نجعل الحقوق نفسها متهمة. فالمرأة التي تطالب بألا تتعرض للظلم لا تحارب الرجل، والرجل الذي يطالب بالعدل والاحترام لا يحارب المرأة.
المشكلة في تحويل الحقوق إلى خصومة.
فإذا أصبحت كل مسؤولية يطلبها الرجل من المرأة «اضطهادًا»، وكل حق تطلبه المرأة من الرجل «تمردًا»، فلن نستطيع بناء علاقة سليمة. الحياة الزوجية ليست محكمة يجلس فيها كل طرف وبيده قائمة طويلة من حقوقه بينما ينسى واجباته.
المفارقة أننا أصبحنا نتحدث كثيرًا عن حقوقنا، لكننا نتحدث بدرجة أقل عن مسؤولياتنا.
والأسرة تحتاج إلى الاثنين معًا؛ حق يقابله واجب، وحرية تقابلها مسؤولية، واختلاف لا يتحول إلى عداوة.

الرجل ليس عدو المرأة والمرأة ليست عدو الرجل

أكثر ما أخشاه في خطاب الحرب بين الجنسين أنه يجعل الإنسان يرى أسوأ النماذج في الطرف الآخر ثم يعممها على الجميع.
نعم، توجد نساء سيئات، كما يوجد رجال سيئون. توجد زوجات ظالمات ويوجد أزواج ظالمون، وتوجد علاقات مؤذية لا ينبغي تبريرها باسم الأسرة. لكن يوجد أيضًا ملايين الرجال والنساء الذين يعيشون علاقات طبيعية فيها حب وخلاف وتنازل ومسؤولية وأيام جميلة وأخرى صعبة.
وهؤلاء لا يصنعون ضجيجًا على مواقع التواصل.
الرجل والمرأة مختلفان في جوانب كثيرة، ومتفقان في جوانب أخرى، لكن الاختلاف لا يعني العداوة. وفي العلاقة السليمة قد تتحول هذه الاختلافات إلى تكامل، بشرط أن يدخل الطرفان العلاقة وهما يريدان بناء شيء مشترك لا إثبات تفوق أحدهما على الآخر.
فالزواج الذي يبدأ بسؤال «من سينتصر؟» خسر جزءًا من معناه قبل أن يبدأ.

من المستفيد من استمرار هذه الحرب؟

لا أملك دليلًا يجعلني أقول إن هناك دولًا تدير خطة منظمة لهدم أسرنا، ولذلك لا أريد أن أبني المقال على ادعاء لا أستطيع إثباته. لكنني أستطيع أن أرى شيئًا يحدث أمامنا بوضوح: الصراع يجذب الانتباه، والانتباه أصبح سلعة.
كلما اشتعل النقاش بين الرجال والنساء زادت المشاهدات والتعليقات والمشاركات. وكلما كان المحتوى أكثر استفزازًا أصبح انتشاره أسهل. وهكذا قد لا نحتاج أصلًا إلى غرفة سرية يجلس فيها أشخاص يخططون لهدم المجتمع؛ فاقتصاد الانتباه وحده قادر على مكافأة المحتوى الذي يجعل الناس أكثر غضبًا واستقطابًا.
وهنا تقع علينا المسؤولية.
نحن من نقرر ماذا نشاهد، وماذا نشارك، ولمن نعطي أصواتنا ووقتنا. وكل مرة نشارك فيها محتوى يحول الرجال والنساء إلى أعداء، حتى لو شاركناه غضبًا منه، فنحن نساعد أحيانًا في توسيع دائرة انتشاره.

الخلاصة: أوقفوا الحرب التي لا ينبغي أن تكون موجودة

لا أريد مجتمعًا تنتصر فيه المرأة على الرجل، ولا مجتمعًا ينتصر فيه الرجل على المرأة؛ لأنني لا أرى العلاقة بينهما بهذه الصورة أصلًا.
أريد رجلًا يعرف حقوقه ومسؤولياته، وامرأة تعرف حقوقها ومسؤولياتها، واثنين يفهمان أن الاختلاف بينهما لا يحتاج إلى حرب حتى يُحل.
علينا أن نتوقف عن تحميل جنس كامل أخطاء بعض أفراده، وأن نرفض المحتوى الذي يعيش على إثارة العداوة بين الرجال والنساء، وأن نعيد الحديث عن الزواج باعتباره مسؤولية ومودة ورحمة وشراكة في بناء الأسرة، لا حلبة مصارعة يدخلها طرفان وكل واحد منهما ينتظر سقوط الآخر.
حقوق المرأة لا تهدم الأسرة، وحقوق الرجل لا تهدمها أيضًا. الذي يهدمها هو الظلم وسوء الاختيار وغياب المسؤولية وتحويل العلاقة إلى صراع دائم على السلطة.
وربما تكون الحرب العالمية الثالثة بين الرجل والمرأة مجرد عنوان مجازي، لكن بعض آثار هذا الصراع في خطابنا الاجتماعي أصبحت حقيقية بما يكفي لكي نتوقف أمامها.
فمتى نفهم أن الرجل والمرأة إذا دخلا الحرب ضد بعضهما، فلن يكون هناك منتصر حقيقي... لأن الأسرة ستكون أول الخاسرين؟

الكاتب هتان المدني
بواسطة : الكاتب هتان المدني
هتان المدني، كاتب ومؤلف سعودي، أكتب في قضايا النفس والعلاقات والحياة والمجتمع، وأشارك تجاربي وتأملاتي بأسلوب يجمع بين الواقع والفكرة. صدر لي كتابا «في سجن عزلتي» و«شبح الطلاق»، وأسعى من خلال «سوالف هتان» إلى تقديم محتوى يترك للقارئ فكرة تستحق التأمل.
تعليقات